الشيخ محمد هادي معرفة
346
تلخيص التمهيد
إلّا من كانت له دُربة بهذه الصناعة ، وبُعد إمعان نظر وتدقيق فكر « 1 » . ومن عجيب الرأي ما زعمه أبو العلاء محمّد بن غانم « 2 » . قال : إنّ كتاب اللَّه خالٍ من التخلّص لما فيه من التكلّف « 3 » . قال ابن الأثير : وهذا القول فاسد ، لأنّ حقيقة التخلّص إنّما هي الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره ، بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه . وفي القرآن مواضع كثيرة ، كالخروج من الوعظ والتذكير والإنذار والتبشير إلى أمر ونهي ووعد ووعيد ، ومن محكم إلى متشابه ، ومن صفة لنبيّ مرسل وملك منزَل إلى ذمّ شيطان مريد وجبّار عنيد ، بلطائف دقيقة ومعانٍ آخذ بعضها برقاب بعض . فممّا جاء من التخلّص في القرآن الكريم قوله تعالى : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ . إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ . قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ . قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ . قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ . وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ . فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ . وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ . قالُوا وَهُمْ فِيها
--> ( 1 ) . بديع القرآن : ص 167 - 168 . ( 2 ) . المعروف بالغانمي ، كان من الشعراء الفضلاء ، وهو من شعراء نظام المُلك . ( 3 ) . حسبما نقله عنه الزركشي في البرهان : ج 1 ص 43 .